ماهية مرحلة جمع الاستدلالات

تسبق مرحلتي التحقيق الابتدائي ومرحلة التحقيق النهائي (المحاكمة) ما يعرف "بمرحلة جمع الاستدلالات"، والتي تعتبر من أهم مراحل الإجراءات الجزائية، وهي المرحلة السابقة على تحريك الدعوى الجزائية والممهدة لمرحلة الخصومة الجزائية والأساس الذي تبنى عليه كافة الإجراءات الجزائية[1]. "فهي ليست إذاً مرحلة قضائية بالرغم من كونها الأساس الذي يبنى عليه التحقيق القضائي"[2]. فجمع الاستدلالات يعد مقدمة ضرورية في أغلب الجرائم، إذ كثيراً ما تحدث جرائم في الخفاء وتحتاج إلى كشفها وضبطها ومعرفة مسبباتها وملابساتها ودوافع ارتكابها لتسهيل مهمة التحقيق ولمنع المجرمين من الإفلات والهرب والتضييق عليهم تمهيداً لضبطها[3].
        وتبدأ مرحلة جمع الاستدلالات منذ اللحظة التي يصل نبأ حدوث الجريمة إلى علم مأمور الضابطة القضائية، حيث يضع تحت بصر سلطة التحقيق وهي النيابة العامة كافة المعلومات التي تحيط بالجريمة ومرتكبيها وذلك عن طريق ما تلقاه من شكاوى وبلاغات سواء كانت جدية أم لا، فحينها إما أن تصدر النيابة العامة قراراً بحفظ الدعوى مما يؤدي إلى تخفيف العبء عن كاهل سلطة التحقيق أو أن تباشر دورها في تحريك الدعوى الجزائية ومتابعتها وفق أصولها القانونية[4]. والجهة المختصة بجمع الاستدلالات حسب قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني هم "مأمورو الضبطية القضائية" والذي يطلق عليهم في الأردن "رجال الضابطة العدلية". 

 أما فيما يتعلق بتعريف مرحلة جمع الإستدلالات، قضت المادة (19) من قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني بأن "يتولى مأمور الضبط القضائي البحث والاستقصاء عن الجرائم وملاحقة مرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى"[1].
        حيث نلاحظ من نص المادة السابقة أن المشرع الفلسطيني أناط بمأموري الضبط القضائي مهمة القيام بالبحث والاستقصاء عن الجرائم وملاحقة مرتكبيها، ضمن ما يعرف بمرحلة جمع الاستدلالات، وبالتالي يمكن تعريف هذه المرحلة بأنها "مجموعة من الإجراءات التي تمارس من قبل مأموري الضبط القضائي المنصوص عليهم القانون، وذلك بقصد تجميع العناصر والأدلة المادية التي تثبت وقوع الفعل ألجرمي، بالإضافة إلى عمل التحريات الضرورية واللازمة عن مرتكبها لتستطيع النيابة العامة مباشرة التحقيق في الدعوى"[2]. كما يمكن تعريفها أيضا بأنها عبارة عن "مجموعة من الإجراءات التمهيدية السابقة على تحريك الدعوى الجزائية وتهدف إلى جمع المعلومات والاستخبارات والبيانات والإيضاحات في شأن جريمة وقعت، أو على وشك الوقوع من أجل أن تقوم سلطة التحقيق-بناءاً عليها-باتخاذ القرار بتحريك الدعوى الجزائية أو عدم تحريكها، وهكذا تعد عملية جمع المعلومات والاستدلالات والإيضاحات الخاصة بالحدث ألجُرمي بطريقة مشروعة هي تلك التحريات التي يتم بها ميلاد محضر جمع الاستدلالات، أي إعداد العناصر اللازمة للبدء في التحقيق الابتدائي بمعناه الضيق"[3].
        فمرحلة جمع الاستدلالات تكشف كثير من الجرائم التي تحدث في الخفاء، وتزيل كل ُلبس يتعلق بظروف وملابسات ودوافع ارتكاب الجرائم، حيث تشكل كل هذه الإجراءات نقطة بداية عمل رجال التحقيق وتسهيل مهمتهم في كشف غموض الجريمة. كما تسمح هذه المرحلة في بحث جدية البلاغات المقدمة لمأموري الضبطية القضائية في التمييز بين العمل الإجرامي الذي وقع والظروف التي أحاطت به عند قيامهم بالتحري، وعن مدى صدق البلاغ والبحث عن الجريمة وما يرافقه من نتائج[4].
كما لا يجوز أن تسفر مرحلة جمع الاستدلالات عن أية أدلة، وذلك لثلاثة أسباب[5]:-

1.    أن مرحلة جمع الاستدلالات لا تتوافر فيها كافة الضمانات القانونية التي يحيط بها المشرع إجراءات جمع الأدلة من فبل سلطة التحقيق.
2.    عدم وجود السند القانوني الذي يمنح الضابطة القضائية حق جمع الأدلة في غير الحالات المستثناة.
3.    عند قيام مأمور الضبط ببعض أعمال التحقيق، فأنه يقوم بذلك كسلطة تحقيق، وليس كسلطة استدلال، ومن ثم فإن مرحلة الاستدلال تعتبر مرحلة جمع معلومات وتحري عن الجريمة وظروفها وليست مرحلة تحقيق.
ويستنتج من ذلك أن إجراءات الاستدلال بصفة عامة هي[1]:-
1.    قبول البلاغات والشكوى.
2.    إجراء التحريات عن الوقائع التي يعلمون بها.
3.    الحصول على الإيضاحات والمعلومات والاستخبارات. 


نص المشرع الفلسطيني في المادة (19) على أن "يتولى مأمور الضبط القضائي البحث والاستقصاء عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى".
        في حين نص المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة (7) بان"موظفو الضابطة العدلية مكلفون باستقصاء الجرائم وجمع أدلتها والقبض على فاعليها وإحالتهم على المحاكم الموكول إليهم أمر معاقبتهم". ونلاحظ أن المشرع الأردني قد وسع في صلاحيات مأموري الضبطية القضائية بأن سمح لهم أن يقوموا بجمع الأدلة، وذلك خلاف المشرع الفلسطيني الذي قصر مهمتهم على البحث والاستقصاء عن الجرائم وملاحقة مرتكبيها دون أن يتمخض عن عملهم أي دليل، لأن الدليل لا يجوز أن يستمد إلا من التحقيق الذي تجريه سلطة التحقيق المختصة، كما وان الدليل بمعناه القانوني هو ما يستمد من التحقيق , أما أعمال الاستدلال  التي يقوم بها رجال الضبط القضائي في سبيل جمع الأدلة أو التعرف على الجريمة أو فاعليها يسمى بإجراءات الاستدلال، وما يقدمونه كنتيجة لها يكون "استدلالات" ويعتبر مقدمة إلى التحقيق لأنه مجرد البحث عن الأدلة دون تنقب فيها ودون فحص لها، إلى أن يتم تحقيقها بمعرفة جهة التحقيق أو الحكم فتأخذ وضعها كأدلة تصلح للإدانة. وعلة ذلك أن التحقيق الابتدائي يباشر طبقا لأوضاع قانونية معينة لا تتوافر في جمع الاستدلالات.  وبالتالي فإنني أرى أن ما جاءت به المادة (23) من قانون الإجراءات الفلسطيني، قد أجازت لمأمور الضبط القضائي ذوي الاختصاص الخاص أن يحيلوا المحاضر التي ينظموها وذلك في المخالفات التي تقع على القوانين المتعلقة بالبلدية والصحة والنقل على الطرق والتي يعاقب عليها بالغرامة فقط، أما التي يعاقب عليها بالحبس، فيجب إرسال المحضر إلى النيابة العامة لإقامة الدعوى بالطرق المعتادة. وبالتالي يعود للاختصاص للنيابة العامة في المخالفات التي يعاقب عليها بالحبس والجنح في أن تقدر قيمة الاستدلالات الناتجة من أعمال مأمور الضبط القضائي وما إذا ترقى إلى قيمة أدلة قانونية أم لا. وفي شأن المخالفات يكون على القاضي في المحكمة تقدير قيمتها القانونية ومدى جدية الأخذ بها. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على ما تقوم بها به النيابة إستناداً للمادة (53) من قانون الإجراءات الفلسطيني.
        وبذلك يكون موقف المشرع الفلسطيني أسلم من موقف المشرع الأردني وخصوصاً أن مأمورو الضبطية القضائية لا يتمتعون بالخبرة الكافية والكفاءة والموضوعية، و كما وأن عملهم يتسم بالسرعة ولا يكون هنالك متسع من الوقت للمتهم لتحضير دفاعه أو الاستعانة بمحامي.
        كما حددت المادة (21) من قانون الإجراءات الفلسطيني من هم مأمورو الضبط القضائي، حيث نصت على "يكون من مأموري الضبط القضائي:
1-  مدير الشرطة ونوابه ومساعدوه ومدير شرطة المحافظات والإدارات العامة.
2-  ضباط وضباط صف الشرطة، كل في دائرة اختصاصه.

إعداد: اسكندر سلامة



Comments

Popular Posts